محمد بن أبي بكر الرازي

231

حدائق الحقائق

الباب الخمسون في الغيرة الغيرة في اللغة : كراهة مشاركة الغير . وكذلك هي في اصطلاح أهل الحقيقة . قال بعضهم : الغيرة وصف أهل البداية ، فأمّا المنتهى فإنه لا يرى الغير ولا يعترض فيما يجرى في المملكة لفقد اختياره . والحق أن الغيرة للّه تعالى حق ، وهي أن لا يجعل العبد شيئا من أحواله وأنفاسه لغير اللّه تعالى ، وهي توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال له ، والغيرة من لوازم المحبة . ولهذا قال « أبو علي الدقاق » « 1 » في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « حبك الشئ يعمى ويصم » . أي يعمى عن الغير غيرة ، وعن المحبوب هيبة ، وأمّا الغيرة على اللّه جهل ، وربما أفضت إلى الكفر . وغيرة الحق على العبد أن لا يجعله « 2 » للخلق بل يضن به عليهم . وقال الشبلي « 3 » : الغيرة غيرتان : * غيرة البشرية « 4 » على النفوس . * وغيرة الإلهية على القلوب أن تشتغل بغير ذكره . وقال أيضا : غيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى اللّه تعالى . قال الإمام القشيري « 5 » : مثاله : آدم لما وطّن نفسه على الخلود في الجنة وطيباتها أخرجه اللّه تعالى منها غيرة عليه . وإبراهيم ، عليه السلام ، لما أعجبه إسماعيل ، عليه السلام ، أمره بذبحه حتى أخرجه من قلبه : فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ « 6 » .

--> ( 1 ) تقدمت ترجمته . ( 2 ) في ( د ) : ( أن لا يجعل للخلق ) . ( 3 ) تقدمت ترجمته . ( 4 ) في ( د ) : ( التسوية ) . ( 5 ) تقدمت ترجمته . ( 6 ) الآية رقم ( 103 ) من سورة الصافات مكية .